” كلمّا أكلتُم  هذا الخبزَ وشَِربتم هذه الكأس، تُخبرونَ بموتِ الرّب إلى أن يأتي ” (1 كور 11:26)

حضرة الآباء الأجلاّء

حضرة الشمامسة الكرام والراهبات الفضلات

أبناءنا وبناتِنا الأحباء

أيُّها المباركون

تشاءُ العنايةُ الإلهيّة أيّها الإخوة، أن يتزامن احتفالُنا بالمناولة الأولى لأطفالنا الأحبّاء مع التذكار السنوي لشهداء لبنان.

والحقيقةُ أنَّ معنى الشهادة أساسي في إدراكنا لسرّ الإفخارستّيا، لأنّ هذا الجسد الذي يُعطيناه يسوعُ لنتناوله وهو نفسُه جَسَدُه الممَّجد الذي بذله ذبيحةً على الصليب مِن أجل حياة العالم. إنّ مَن يتناولُ مِن هذا الجسد الذبيح والقائم، تنمو فيه بِذارُ الحياة الأبديّة. وهذه هي المفارقةُ … التي يتحدّث عنها يسوعُ صراحةً بقَوله إنّه هو الخبزُ الحيُّ النازلُ مِن السّماء والذي يأكلُ منه يحيا إلى الأبد ! (يوحنا  6 : 51 و 58) .

أجل، إنّ سرّ القُربان الأقدس يؤوِّن تدبير الخلاص الذي أتمّه الفادي الإلهي على الصليب، وهو “لأجل حياة العالم” 

(يو 6 : 51) . الإفخارستيّا إمتداد لذبيحة المسيح ذاتها، وعندما نحتفل بها ونشارك فيها، إنما نشترك في ذبيحة الربّ عينها ونتأمّل بما صنعَه الشهيدُ الأكبر، الإله والإنسان، الذي بذل ذاته لأجل شعبه ثم نهض من الرّمس دائساً عزّة الجحيم.

لذلك يقولُ لنا القديسُ بولسُ الرسولُ في رسالته الأولى إلى أهل كورنثس: “…  فإنّكم كلمّا أكلتُم هذا الخبزَ وشربتم هذه الكأس، تُخبرون بموتِ الرّب إلى أن يأتي ” (1 كور 11 : 26) .

المسيحيّون أيّها الإخوة والأبناء الأحبّاء، لا يُخبرون عن حدث موت الرّب وقيامته كأمرٍ يتذكّرون حصوله في الماضي، بل إنما هو اختبارٌ يعيشونه بلا انقطاع “إلى أن يأتي” المخلّص من جديدٍ.

حول هذا الموضوع يتحدّث أحدُ كبار آباء الكنيسة، وهو القديس كيرللّس الإسكندري، إذ يقول : ” إنّ التناول من الجسد المقدّس والشربَ من الدم المخلّص يحويان اعترافاً بالآلآم وبالموت اللذَين تقبّلهما المسيحُ تدبيرياً من أجلنا (…) ففي هذا الدهر الحاضر، باشتراكنا في هذا الخبز نحن نَظلُّ نُخبرُ بموته إلى أن يجيء “.

الكنيسةُ في أسرارها هي امتدادٌ لحدث العنصرة وتحقيقٌ لكلّ عمل التدبير الإلهي الذي يستمرّ حتى اليوم الأخير. إن كُلّ ما قد جرى لأجل خلاصنا ليس حدثاً تاريخيّاً انتهى بل يستمرُ خارج الزّمان والمكان … هو ذبيحةٌ أبديّةٌ مستمرّة تُخبر “بموت الرّب إلى أن يأتي ” (1 كور 11 : 26).

 

 

2

أيّها الأحباء،

يعيشُ الإخوةُ العراقيّون والسوريّون في لبنان اختبار المسيح المتألمّ، الذي قال عنه باسكال المفكّر الفرنسي “إنّه في حالة نزاع دائمةٍ إلى انقضاء الدهر”، إذ يحملُ على منكبََيه آلآم شعبه ولم يزَلْ يعطشُ مِن أعلى صليبه إلى العدالة والمساواة وعمل الرّحمة !

يستكمل اليومَ أبناءُ العراق وسوريا وفلسطين ومصرَ، المسيحيّون، عمل الشهادة التي تجلّت بموت السيّد على الصليب وغفرانه لظالميه ؛ لكنّهم يسألون أيضاً عن سمعان القَيرواني ويوسف الرامي ونيقوديموس الشيخ وبناتِ أورشليم… يسألون عمّن يخفّف محنة أربعة آلآف وخمسمئة عائلة عراقية كلدانيّة تُعاني الأمرّين على تراب وطن الأرز الحبيب !

أيّها المؤمنون ،

جسدُ المسيح الذي كُسِرَ وأُهرِقَ على الصليب، هو عينُه الذي قام مِن بينِ الأموات وتمجّد وصَعِدَ إلى السماء. لهذا، حين نتناول جسد الرب ودَمُه، لا يتحوّل هو إلى طبيعتنا الفاسدة بل يحوّلنا هو إلى طبيعته الإلهيّة لأنّه كما أنّ الخمير اليسير يُخمِّر العجين كُلَّه هكذا المناولة ُ المقدسّة تُقدِّس الكيان وتَجعلُ مِن كُلٍّ مِنّا مسيحاً آخر …

وإذ نَصيرُ أعضاءَ في جسد المسيح “من لحمه ومِن عظامه ” (أفسس 5 : 30) نصيرُ أيضاً جسداً واحداً مع كُل مَن يتناول من هذه الكأس الإفخارستيّة … أينما وُجِدَ على وجه الأرض … ولا سيّما إن كان مهجّراً أو مريضاً أو سجيناً أو منبوذاً أو غريباً !

هذا ما يُعبِّر عنه القديس يوحنا الذهبيّ الفم قائلاً : “نحن الذين نأكل جسد المسيح نصيرُ كلّنا جسده، لا أجساداً كثيرةً إنما جسدٌ واحدٌ” .

إذا كُنّا مُسحاء آخرين، فلنسلك إذاً سلوك المسيح … وإذا كُنّا بالمناولة جسداً واحداً فإذا تألمّ عضوٌ علينا أن نتألمّ جميعُنا لكي يحمل بعضُنا أثقال بعضٍ .

إنّي إذ أشكرُ جميع الذين تَعِبوا وهيأوا لهذا الإحتفال المبارك، أُحَيّي راهبات بنات مريم المحبول بها بلا دنس وفريق المدربّين ومحطة نور الشرق التي تنقل وقائع هذا القداس الخاشع وأُهنِّئ أولادنا وبناتنا الأحباء بهذا الحدث الرّوحي الهام الذي يخوضون اليوم غماره وأبارك والديْهم وعائلاتهم وعليكم جميعاً بركات الله القدير الآب والإبن والروح القدس . آمين.