“سلام الله الفائق كُلّ عَقل يحفظُ قلوبكم ” ( في 4/7)

حضرة الكهنة الأفاضل والشمامسة الأحباء،

حضرة الراهبات الفاضلات،

أيُّها المباركون ،

“هوشعنا” مباركٌ الآتي باسم الربّ، هكذا هَتفَ الشّعب يوم دخلَ الربّ يسوع إلى أورشليم، فاستقبلوه بالشعانين استقبال الملك الظافر والعائد إلى وطنه! بعد أيّام سيَصرخون لبيلاطُس “اصلبه ! اصلبه !” لأنّ يسوع لم يجلب لرؤساء الكهنة والشعب “الغنائم” التي كانوا يَشتَهونها. لقد كان ثمن تصريح يسوع :”مملكتي ليست من هذا العالم” (يوحنا 18/36)، أن يرفعه اليهود على الصَّليب لأنّهم يريدون ملكاً مملكته في هذا العالم.

كان بيلاطُس، الوالي الروماني المُستعمِر، متواجداً في أورشليم لحِفظ الأمن أيام العيد بسبب الجمهرة الكبيرة التي كانت تحصل في مثل هذه المواسم. وكان قد سَمِعَ كيف استقبل الشعب يسوع كملك. لذلك عندما صَلبَه وضع عِلتّه: ” ملك اليهود”، لكن رؤساء الكهنة اعترضوا آنذاك على هذه الكلمات. بينما ألحّ بيلاطس هِزءاً بهم وبيسوع أن يَكتب هذه العبارة ليقرأها الجميع.

تَحملُ هذه الكلمة معنى عميقاً جدّاً لا ينحصر في تصوير الأحداث التاريخية التي جرت تلك الأيام. لأنّه عند لحظة صَلب يسوع، وكتابة هذه “العِلّة” انفتح تاريخ جديد بالكُليّة في زمن العبادة والأديان. هناك طريقتان في العبادة، تلك التي قبلَ “ملك اليهود” وهذه التي “لملك اليهود” ! تلك التي لمملكة هذا العالم وهذه للمملكة التي ليسَتْ مِن هذا العالم.

 أيُّها المباركون،

تلك هي شريعة اليهود شريعة الحرف والناموس، دستور الخوف من الله ومن الانسان. شريعة يسوع هي محبة وتضحية وموت على الصليب، فيسوع كان ابناً لله وعابداً حقيقياً، أطاعَ حتى الموت موت الصّليب. وصرخَ على الجبل “إن ْ أمكَن أبعِد عنّي هذه الكأس، ولكن لا تَكُنْ مشيئتي لكن مشيئتك”.

يسوع افتتحَ الشّكل الجديد والثاني للعبادة والعلاقة بالله. لقد كان “البِكر” في كُلّ شيء. العلاقة التي يؤسّسها يسوعُ اليوم وخلال الأسبوع العظيم على الصَّليب، لا تبتغي الحدّ الأدنى من التقدمات لله. فالدّين هنا ليس الواجبات التي نتفنَّن في تخفيفيها بل هو الحُبّ الذي نتفنَّن في تَعظيمِه. كلمة يسوع “ليس حُبٌّ أعظم مِن أن يبذل الإنسان نفسه فِدية عن أحبّائه” تشرحُ سِرّ العلاقة والدين الجديدَين. في العِبادة المسيحانية التيأُبطلت الشريعة وأصبحت مع الإنسان ومن أجل الإنسان حكايةَ حبٍ وعشقٍ.

هذا الحُبّ الأعظم يُبدّل المعايير. لذلك لا يتكلّم الكتاب المقدّس عن القبَض على يسوع بمقدار ما يتكلّم عن تسليم يسوع ذاته. فقساوة ووحشية القابضين على يسوع في الإنجيل لا تُغطّي وجه الحريّة المطلقة التي كانت ليسوع حين أَسلمَ ذاته إليهم. “لقد شَرِبَ الكأس التي كانت له” بحريّته. لم يُدافِع عن نَفسِه ولم يَهرب ولم يَتردّد لأنَّ الساعة كانت قد حضرت وكُلّ شيءٍ قد تمّ.

لهذا، هذه الحريّة في تبنّي المسؤوليات، الصِّغار والعِظام، تُحافِظ للإنسان وللعابِد عموماً على كرامته ومجده أمامَ الله. وإنبدا يسوع في الأناجيل رجُل الآلآم، رجُلاً مشرّداً مَتروكاً، وضعيفاً، إلاّ أنّ الأناجيل تفوحُ في كُلّ عباراتها عن مَجدِه وعَظَمَتهِ وسِيادَتِه. وهذه العبارة “مَلك اليهود” وإن استخدمت حيناً للهزء به إلاّ أنّها كانت في قلب بيلاطس الذي لم يتجرّأ على الحُكم وإنما اكتفى بتسليمه إلى أعدائه.

منذُ دخلَ يسوع أورشليم وعندما رُفِعَ على الصَّليب وسُمِّيَ “ملك اليهود” دشَّن مملكة جديدة، وافتتحَ علاقة جديدة مع الإنسان. مملكة يسوع شريعتها ليست من هذا العالم. مملكة يسوع هي انتم يا أبناء العهد الجديد، هي أنتم يا أطفالنا الصغار.

هذه هي طبيعة حياتنا الكنسيّة عربون هذه المملكة. نحن لا نَحيا فيها مُجبَرين على تقديم الواجبات أو الممارسات أو الإحسان أو الخدمة.نحن نحيا فيها بمعنى أننا نحيا مِنها. نحيا فيها إذن بحريّة وكرامة. لا مكان للخائفين والذليلين في المسيحيّة. نحن لا نخاف الله لأننا نحبّه (القديس أنطونيوس الكبير).

“التَّقوى” لدينا لا تَعني أبداً  أن “نُعبِّس” ونَستَغفِر ونَحيا في الخَوف. على العكس، تَعني التَقوى الفَرَح والخِدمة.مَن يعيشُ في هذه المملكة (الكنيسة) متردّداً بين واجِب وبين تهرُّب لا يعيشُ حياة الكنيسة. ومَن لا يبذُل ويُعطي ذاته بالكليّة لا يذوق الحريّة ولا يعرِف طَعم هذا المجد، وإنما يبقى في الخوف ويُصاب بسُرعة بالرّياء.

لا للنّاموسيّة لا للمرائيين لا للمهلّلينهوشهنا! هوشعنا! وغداً اصلِبه! اصلِبه! لا للمقايضات التي تستقبل الآن وتفرش الثياب ولمّا لن تَجِد غنائِم مِن هذا العالم ستُعلِن حُكم الموت على “ملك اليهود” !

أيُّها الإخوة والأخوات الأحبّاء ،

هذه العلاقةُ الجديدةُ مع الله التي أرسى المسيحُ أُسُسها، أرادنا أن نتّخذها لنا مثالاً في ارتباطنا بكنيستنا التي هي جَسَدُهُ الحيّ. لا تقولوا لكنيستكم أو لوطنكم “هوشعنا” عندما تَتوقّعون فقط فائدة ماديّة بل اجعلوا علاقتكم بكنيستكم ورعيّتكم مبنيّةً على حُبّ الإلتزام وعلى المجانيّة وعلى الشعور بالإنتماء ! هكذا يتقدّم العملُ الكنسي وبذلك تَنمو الأوطانُ وتزدهر.

نحن لا نترك كنيستنا إذا كانت ضعيفة ولا نهَجرُ عراقنا أو لبناننا أو شعبنا المقهور حين تُريدُنا السّماء أن نتشارك آلآم الآخرين لننهض معهم وبِهم مِن كَبوة الموت !

وكُل عامٍ وأنتم بخير !