كلمة المطران ميشال قصارجي

في قداس عيد الفصح في 27 آذار 2016

“أريد رحمةً لا ذبيحةً!”

(هوشع 6/6)

حضرة الآباء الأجلاء

حضرة الشمامسة الكرام والراهبات الفاضلات

رؤساء المجالس والحركات الرسوليّة وأعضائها الكرام

أيُّها الإخوة والأخوات

يتّخذ عيدُ الفصح العظيم المقدّس هذا العام طابعاً خاصّاً، لاندراجه في سنة الرحمة اليوبيليّة التي أعلنها قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس في الثامنِ من كانون الأول الفائت.

إنَّ ما حرَّك يسوعَ دوماً، يقولُ قداستُه في براءة اليوبيل، إنَّما هو عملُ الرحمة النابعُ من قلبه الرؤوف

(متى 9/36).

بدافعٍ من هذا الحب وتلك الرأفة الجامحة، كان يسوعُ يشفي المرضى ويُشبع الجياع (متى 15/37) ويُروي العطاش… وقد بادر هو، لا على طلب أحدهم كما فعل في منزل مريم ومرتا عند موت أخيهما، بل من تلقاء ذاته، على إنهاض ابن أرملة نائين الثكلى على فقدها وحيدِها… مُعيداً بذلك السرور والبهجة لذلك الموكِب الجنائزيّ الذي حرّك فؤاد المخلّص.

أجل، لقد أدرك يسوعُ أنَّ الموت عدوُّ الإنسان منذ أن وُجد ولذلك جعل هدفه الأسمى القضاء على سلطانه إذ قد نال من الآب ملء القدرة على كل شيء. هذا ما أعلنه لنا بأجلى بيانٍ بولسُ الرسولُ بقوله:” آخرُ عدوّ ٍ يُبطلُ هو الموت لأنَّ كُلَّ شيء ٍ قد أُخضِع تحت قدمَي المسيح”

(1 كورنثوس 15/26).

ولئن أقام المسيحُ موتى الجسد، لكنَّ القيامة التي نهج لنا طريقها هي قيامةُ الحياة الأبديّة مع الله، التي يبدأ المرءُ مسيرتها على الأرض ويستكملها في السماء.

وقد أجاب أيضاً بولسُ الرسول على تساؤل البشريّة المؤمنة بالقيامة، إذ قال بلسان كُلّ ٍ منّا:” ورُبَّ قائلٍ يقولُ:”كيف يقوم الأموات؟” في أي جسدٍ يعودون؟!” (1 كور 15/35). ويجيبُ بقوله:”… على مثالِ الأرضيّ يكون الأرضيّون وعلى مثال السماوي يكون السماويّون. وكما حملنا صورة الأرضي فكذلك سنحملُ صورة السماوي أيضاً” ( 1 كور 15/48-49).

أجل، لقد جعل يسوعُ ذاته ذبيحةً على الصليب، و“محا ما كان علينا من صكّ ٍ وما فيه من أحكام وأزال هذا الحاجز مُسمّراً إيّاه على العود!” (قولوسي 2/14).

لقدحطّم المسيحُ الموت الحقيقي، موتَ الخطيئة، ومنحنا الحياة الحقيقية، حياة الله… تلك التي ننالُها بالمعموديّة والتي صرنا من خلالها ورثةً للآب السماوي ومشاركين له في أبديّته… فلا يُعيقُنا من بعدُ تَلَفُ جسدنا  الترابيّ، لأنَّ الحياة التي غرفناها من قبر المعطي الحياة جعلت من كلٍ منّا إنساناً سماويّاً عشيراً للخالق وشريكاً له في سلطانهِ الخالد… وهو سلطان المحبّة!

أيُّها الأحبّاء،

عملُ الرحمة يُعبّرُ عن تقدمة الإنسانِ لذاته في سبيل خير الآخر ومساعدته وقبوله كما هو… فهو إذاً ذبيحةٌ روحيّةٌ حقيقيّةٌ، ترضي الله أكثر من الأدعية الصادرة عن الشفاهِ وأعمالِ التقوى الخارجيّة غيرِ النابعةِ من قلبٍ تحرّكه التوبة!

حينما نكونُ رُسُلَ رحمةٍ، نكون حتماً موزّعي الحياة، أي شهوداً حقيقيّين للقيامة!

لماّ عرفت مريمُ المجدليّةُ أنَّ المسيح قام، فرحت جداً وأرادت أن تحتفظ به لذاتها على ما نستشفُّ من إنجيل هذا الأحد، لكنَّ الناهض من الضريح الفارغ أرسلها نحو الجماعة… نحو المجتمع المتألّم والرّازح تحت نير الموت، لتُضيء ظلمته بأنوار القيامة الخلاصيّة.

أيُّها الإخوة والأخوات،

دعوة المسيح لنا في يوم القيامة أن نحمل رحمته للقلوب الكسيرة، أن نصفح لنعيش سرّ الفصح الحقيقي… أن نتوب توبةً صادقة لتعملَ فينا مفاعيلُ واستحقاقاتُ عمل الفداء… فتُمحى اوزارُنا ونتنقّى من دنس الجريرة، علّةِ الموتِ والفساد.

دعاؤنا أن تليّن الرحمةُ قلوب المسؤولين في العالم، ولا سيّما في العراقِ وسوريا وفلسطين ولبنان… أن تشفي الرحمةُ قلوبَ من باعوا ذواتهم لديجور جهنّم وهم يُمطرون أرض الإنسان ناراً وكبريتاً وحقداً متّقداً… دعاؤنا أن نتآزر كلُّنا لعودة الإستقرار في شرقنا العزيز ومساندة نحو أربعة آلاف عائلةٍ عراقيةٍ كلدانيةٍ مهجّرةٍ في لبنان، تعاني كل يومٍ مرارة جلجلةٍ سُدَّت آفاقُها وغطّى الضبابُ قيامتها.

دعاؤنا أن ينهض وطنُ الأرز من رَمسه ويُصار الى انتخاب رئيسٍ لجمهوريّته يرعى فيه حقوق الجميع ويضمن المساواة بين كافة مكوّناته المسيحيّة وغير المسيحيّة … وإننا نطالب جميع القوى السياسية في لبنان بانصاف الطوائف المسماة أقليات عبر تمثيل صحيح لجميع مكونات المجتمع اللبناني، اولاً عبر اعطاء كل طائفة نائب يمثلها، ولا يجوز انصاف طوائف وتهميش آخر فالعدالة والمساواة هي للجميع.

صلاتُنا نرفعها من أجل قداسة البابا فرنسيس والبطريرك مار لويس روفائيل ساكو الكلّي الطوبى… وأبناء كنيستنا الكلدانية في كل العالم ولا سيّما في هذه الأبرشية المباركة، حتى نكون كُلُّنا صانعي رحمةٍ وشهود القيامة.

                                                                     المسيح قام!

                                                                           حقاً قام!