تحت الشعار الإنجيلي “طوبى للمضطّهدين من أجل البر فإنَّ لهم ملكوت السماوات” (متى 5/10)، احتفلت أبرشية بيروت الكلدانية هذه السنة بعيد شفيعها الملاك رافئايل في ظل استمرار عمل آلة الموت والتشريد والتطرّف الديني الأعمى التي تعبث بأهل العراق وشعبه ولا سيّما بمسيحيّيه:

ففي مساء يوم السبت 25/10/2014، عند السابعة والنصف، كانت أمسيةُ تراتيل وتأملات روحية من وحي المناسبة بعنوان “كلّي ايمان” أحيتها جوقتا مار توما الرسول الكلداينة ومار مخايل المارونية في بكفيا، كما كانت تأملات روحية مع المرنّم “بول معوّض” وقد اختتم اللقاءُ الروحي بدعاءٍ مؤثرّ بصوت الشماس “رزّوق تمرز”.

أما يوم الأحد في 26/10/2014، فقد ترأس القداس الإلهي الاحتفالي سيادة المطران قصارجي رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان السامي الوقار وقد شارك فيه الى جانب صاحب السيادة عددٌ كبيرٌ من الاكليروس والعلمانيين في حضورٍ رسميٍ وشعبيّ ٍ جمع في صفوفه عدداً من المتبرّعين والمحسنين الذين آزروا الأبرشية في حملتها الأخيرة لمعاضدة الإخوة اللاجئين العراقيين في لبنان. وفي ختام القداس تمّت مباركة تمثال “طفل يسوع براغ” بمشاركة الأب مخول فرحا الرئيس الإقليمي للرهبانية الكرملية والأبوين رافائيل طرابلسي ودنحا يوسف .

بعد تلاوة الفصل الإنجيلي، ألقى سيادة الحبر الجليل المطران قصارجي عظةً بليغةً تناول فيها الأوضاع المتردّية في العراق ولبنان مع استمرار مسلسل القتل والتهجير والتطرّف الديني في بلاد الرافدين، كما ذكر إنجازات الأبرشية في سبيل خدمة اللاجئين واستمطر على المتبرّعين والمحسنين شآبيب الرحمة وغزارة البركات السماوية. وممّا جاء في كلمة سيادته:” تتمازجُ في قلوبنا هذه السنة عاطفتان متناقضتان، إذ فيما نفرحُ بلقاء أبناءِ الكنيسة الكلدانية في لبنان يحتفلون بعيد شفيع كاتدرئيّتهم ونسرُّ بلقاء عددٍ كبيرٍ من أصحاب النوايا الحسنة والأيادي السخيّة والقلوب البيضاء الذين آزرونا في الحملة الكُبرى التي حملت الأبرشية لواءها دعماً للمهجّرين العراقيين في وطن الأرز، نأسف أيضاً وأيضاً أمام صمت مراكز القرار في الدول الكبرى إزاء تواصل أعمال القتل والعنف والدمار المستشرية في العراق وسوريا وفلسطين وقد قرعت أبواب لبنان غير مرّةٍ وكادت أن تُشعل النار فيه.

ما زلنا نؤمن بغدٍ مشرقٍ وبفجرٍ مُبتسم يَخرُجُ من رحِم الليل الدامس الحالك!

كُلُّنا إيمان بأنَّ القيامة والجمعة العظيمة توأمان!

كُلُّنا إيمان بأنَّ الصليبَ جسرُ عبورٍ الى الفصح الآتي!

كُلُّنا إيمان بأنَّ أصحاب الأيادي المعطاءة والقلوب المتواضعة لا زالوا أكثر عدداً من ألوف الساعين الى الحرب والقارعين طبول الفتنة والمتربّصين شرّاً بمن يرفعون إشارة الصليب راية افتخار وعربون انتصار!

كُلُّنا إيمان بأنَّ أهل الخير والإحسان لا زالوا الخميرة الصالحة وملحَ الطعام في هذا الشرق المقطوع الأوصال وفي هذا الوطن المقطوع الرأس، الذي لم يشأ اؤلو القرار فيه أن يُعيدوا الى قلبه المنازع شيئاً من نبضات الحياة بانتخابهم رئيساً للجمهورية يقود سفينة البلاد والعباد!

لقد استطاعت أبرشية بيروت الكلدانية بفضل مساعيكم الخيّرة وعطاءاتكم الجزيلة أن تبسط يمين الرحمة والعناية الى مئات العائلات التي ما زالت تتوافدُ اليها أسبوعياً دون انقطاع طلباً لشتّى أنواع المساعدات الغذائية والطبيّة والسكنيّة والتعليميّة…. وهي تُجيّش طاقاتها وكُلَّ أجهزتها العاملة الى جانبها في سبيل خدمة كل طالب حاجةٍ، الخدمة اللائقة التي تصون كرامته البشريّة كمخلوقٍ على صورة الله ومثاله.

ألفٌ وخمسمئة عائلة عراقيةٍ كلدانيةٍ توآزرها أبرشيةُ بيروت الكلدانية على مختلف الصُعد بالرغم من مواردها المعدومة وهي تقدّم لها العناية الروحية عبر رعية مار يوسف – الروضة والحركات والأخويات العاملة في نطاقها.

واليوم، وبفضل محبتكم وجهود الخيّرين، تمكّنت الأبرشية من إنشاء مركزٍ رعوي – اجتماعي متكامل هو قيدُ الإنجاز في منطقة سد البوشرية على اسم العذراء مريم سيدة الرحمة الإلهية وسيشرّع أبوابه قريباً ليستقبل من قست عليهم ظروف الحرب والتهجير والفاقة فيجدوا فيه لمسة حنانٍ لا تبخلُ بها الأمُّ السماوية على أبنائها.

هذا المركزُ الجديدُ يُضافُ الى المركز الصحي والاجتماعي سان ميشال والى مشاريع الجمعية الخيريّة الكلدانية ليشكّل ارضيّةً صلبةً لرسالة الكنيسة الكلدانية في لبنان على المستوى الاجتماعي والخدماتي الذي يكمّل رسالة الكنيسة التبشيريّة ويجسّدها.

من كاتدرائية الملاك رافائيل الكلدانية، من قلب المعاناة وآلام التهجير ومآسي التشريد نخاطبُ من جديد ضمائركم الحيّة وقلوبكم المفعمة رحمةً وإشفاقاً لأدعوكم الى الوقوف معنا مجدداً صفّاً واحداً في وجه آلة الموت والعنف والتطرُّف الديني الأعمى عسانا نكفكف أيضاً دموعاً تُذرَفُ من عيون الأطفال ونداوي جراحاً تعجزُ عن بلسمتها الأيّام!