عظة المطران ميشال قصارجي

في قداس “جمعيّة رُسُل قلب يسوع”

يوم الإثنين 13 حزيران 2016

“طوبى للرُّحماء فإنهم يُرحمون !” (متى 5/7)

حضرة الآباء الكهنة الأفاضل

حضرة الشمامسة الأحباء

أيُّها الإخوة والأخوات المباركون

لطالما اعتُبر القلبُ البشريُّ مصدراً للعاطفة، لا سيّما عاطفتَي المحبَّة والرَّحمة، وقد عمَّت عبادةُ قلب يسوعَ التقوى الشَّعبيَّة منذ القرون الوسطى متأمّلةً في مشهد يوحنا الحبيب المتّكئ على صدر المخلِّص (يوحنا 13، 23-25) وفي مشهد طعن جنب يسوع (يوحنا 19، 37) إذ فاض من فؤاده جدولٌ مضاعفٌ اسقى الشعب العطشان رحمةً وحناناً.

في القرن الثالث عشر، أخذت عبادةُ قلب يسوعَ طابعاً صوفياً بعض الشيء مع الراهبات البندكتيات اللواتي هِمن في محبَّة ذاك القلب غير المحبوب وكَرَزن بالفرح الذي لا يوصف الذي تشعرُ به القلوب الغائصة في محبَّة القلب الإلهي، الجريح بالمحبَّة.

بعد أن انتشر لاهوتُ عبادة القلب الإلهي مع القديس “يوحنا اود” في حدود القرن الخامس عشر (1601 – 1680)، أخذ هذا الإكرامُ مِساحةً أكبر في تعليم الكنيسة وصلاتها مع ظهور الربّ يسوع لإحدى راهبات الزيارة القديسة مارغريت ماري ألاكوك في حزيران من العام 1675، حين قال لها “هوذا القلبُ الذي لطالما أحبَّ بني البشر وهو لم يزل يتهالك في سبيلهم كاشفاً لهم عِظم محبّته … ولكنه لم يلقَ منهم سوى نكرانِ الجميل …”

في 25 أيار 1899، وفي رسالته الحبريَّة “السنة المقدّسة Annum Sacrum يكرّس البابا لاوون الثاث عشر الجنس البشري قاطبةً لقلب يسوع الأقدسِ والرحيم. وفي منشوره الحبريّ الصادر في 8 أيار 1928، تحت عنوان “الفادي الرحيم Miserentissimus Redemptor يشدّد البابا بيّوس الحادي عشر على ضرورة تعويض البشر عن خطاياهم التي اقترفوها وأهانوا بها العزّة الإلهية، علّهم بذلك يبادلون على المستوى الفردي محبّة الفادي الذي أحبّهم حُبّاً جمّاً وقدَّم ذاته كفّارةً مرضيَّةً لله الآب عوضاً عنهم.

أما رسالةُ البابا بيّوس الثاني عشر والصادرة في 15 أيار 1956 تحت عنوان “استقوا المياه Haurietis Aquas“، فهي تُضيءُ لنا بأجلى بيان على معاني إكرام قلب يسوع وطبيعته إذ يقول قداستُه : “قلبُ يسوعَ المطعون هو جرحٌ منظور نرى من خلاله جرُح محبته  اللامنظور (….) نحن نعبُدُ المحبَّة الإلهية للكلمة المتجسَّد (المقطع 58) (…) ” هو قلبٌ إفخارستيّ” تقول الرسالة !

هذا الرابطُ الذي يوضحه قداسة البابا السعيد الذكر بيّوس الثاني عشر، بين عبادة قلب يسوع الأقدس وعبادة الرَّحمة الإلهيَّة التي تجلَّت في تجسُّد الربّ وموته وقيامته ومَنْحِ بيعتِه جسده ودمه ينبوعَ الحياة الأبديَّة، هو الذي يمهِّد لنا الطريق لنُدرك اليوم رسالة البابا فرنسيس التي وجّهها إلى العالم في أواخر العام 2013 وإعلانه سنةً يوبيليّة للرَّحمة في 8 كانون الأوَّل 2015.

لا ينبغي علينا أن نفقد فرح التبشير!” يقول قداسة البابا فرنسيس وكأنّه يسترجعُ كلمات الربّ يسوع التي فاه بها قُبيل موته المحيي وقيامته الخلاصيَّة، أي قُبيل فرحة بذله لذاته من أجل حياة العالم :”قلتُ لكم هذا ليكون فرحُكم كاملاً!”
(يوحنا 15 /11)

الكنيسة بحاجة إلى لقاءٍ حميمٍ مع الربّ يسوع، يقول قداسة الحبر الروماني، أي أن نختبر مجدّداً شعور التلميذ الحبيب يوحنا الإنجيلي حينما كان متكئاً على صدر المخلّص يسمعُ بتأثُّرٍ شديدٍ نبضاتِ قلبه الذي يخفقُ حبّاً بالبشر ورحمةً وحناناً.

حينئذٍ نستطيع أن ننقُل هذا الإختبار الحيّ إلى العالم المتعطِّش لها، شريطة أن نكون نحن أولاً قد عشنا اختبار اللقاء هذا وفرحتَه.

الطريقُ إلى الآخر باتَ سهلاً، لأنَّ يسوع مهّد له أولاً وأخلى ذاته ومنحنا حياتَه على الصَّليب وأصبح “المتقدّم في المحبَّة!”، لذلك فكلُّ الذين يرغبون رغبةً صادقةً في نقل فرحة التبشير بيسوع إلى الآخرين يستطيعون التقدُّم بخُطىً ثابتة (1 بطرس 2/21) لأنهم على خُطى المعلِّم الإلهيّ سائرون.

بهذا الدفع الذي تغرفه الكنيسة من قلب الربّ النابض بالمحبَّة والرحمة والمغفرة وقبول الجميع، تنطلق الكنيسة، يقول الحبر الأعظم:”لملاقاة البعيدين، لتصل إلى المبعدين والمنفيين والمقصيين يُحرِّكها الشوقُ إلى تقديم الرَّحمة الإلهيَّة التي لا تفرغُ لجميع المتعطّشين إليها.”

أيُّها الإخوة والأخوات،

فخٌّ خطيرٌ يحذِّرُ قداستُه من وقوع المؤمنين فيه، ألا وهو تقديمُ الإيمان المسيحيّ في إطاره الأدبيّ والأخلاقي فحسب، دون التمحور حول مركزيّة المحبَّة. (المقطع 39). إذا اكتفينا بنقل الإيمان على هذا النحو فحسب، فإنَّ البناء الأخلاقي للكنيسة ينهارُ كقصرٍ من الورق. علينا إذاً أن نعرف كيفيَّة تقديم الأسس الأخلاقية للمسيحيَّة في لغةٍ ليّنةٍ محُبَّة تخترقُ الإنسان لتصل إلى قلبه وواقعه وظروفه ولا تحاكي عقله فحسب في مجموعةٍ من الممنوعاتِ والمسموحات.

وإلى ذلك، فإنّني أودُّ أن أتوقّف معكم على ركيزةٍ هامة يذكرها البابا فرنسيس لنقل البشارة في عالم اليوم، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقلب يسوع الرحيم الذي نحتفل به هذا العام على ضوء سنة الرّحمة اليوبيليّة : لا ينجحُ الإيمانُ المنغلق على ذاته، على أسسه التي لا تتزعزع والتي تجعلُ الإختبار المُعاشَ ركيزةً لدينونة الآخرين.  كلٌّ يعيشُ اختبار الحقيقة الواحدة والإيمان الواحد انطلاقاً من ظروفه وبيئته وعلاقته الخاصة بالربّ. “هل نُريدُ أن نكون قوَّاد جيش مهزوم أم مجرَّد جنودٍ في جيشٍ ما زال يحارب ويأمل دوماً بالإنتصار ؟” (المقطع 96 )

أخيراً وفي حديثه عن المنحى الإجتماعي للأنجلة والتبشير الذي يأخذ صدىً جديداً في إطار سنة الرَّحمة، يتحدّث قداسة البابا فرنسيس عن “المواقف اليومية البسيطة التي تُظهرِ تعاطفنا وتفاعلنا مع المآسي التي نراها في العالم كلَّ يومٍ”. (المقطع 188) .

وإذا طرحنا السؤال على ذواتنا حول مَن هو الأَولى بأن ننقُل إليه قبل سواه فرحةَ الإنجيل، رحمة قلب يسوع الوديع والمتواضع، فإنَّ الحبر الأعظم يُجيبُنا بقَوله “ليسوا الأصدقاء والجيران الأثرياء … بل هم بالحريّ الفقراء والمرضى والمنسيّون”….

وهكذا إذاً، إذ نقرأ رسالة البابا فرنسيس “فرح الإنجيل” على ضوء تأمُّلنا في سنة الرّحمة اليوبيليّة، نجد أنَّ إكرامنا لهذا القلب الإلهيّ هو إكرامٌ لفَيض الجود والحنان وقبول الآخر وأنَّ الفرح الحقيقي الذي لا ينزَعُ منّا إنما هو نقلُ فرحة هذا الحبّ إلى مَن هم بأمسّ الحاجة إليه ولا سيّما في الظروف  القاسية والأليمة التي يعيشُ فيها العالمُ ويتخبّط فيها مشرقُنا العربي حيثُ تسودُ لغةُ الأنانيّة وعبادة الذات والماديَّة المفرطة والسعي إلى المصالح الخاصة والإستهتار بقيمة الحياة البشرية وكرامات النّاس وأمنهم وحريّتهم ومُعتقدهم لا سيّما في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين.

إسمحوا لي أن أشكُرَ “جمعيَّة رُسُل قلب يسوع” ، مؤسّسين وأعضاء وأن أُحييّهم بشكلٍ خاصٍ في هذه السنة اليوبيليّة المكرّسة لرحمة قلب فادينا الإلهي والتي نحتفل بها بالذكرى الستيّن بعد المئة لتأسيس عيد القلب الأقدس.

إنني أتوجّه بالتحيّة أيضاً إلى حضرة الخوري سليم مخلوف خادم هذه الرعّية المباركة والكهنة المعاونين وأخصُّ بالشُّكر حضرة الأخ الصديق الأستاذ بول معوّض، على جهوده في سبيل إعلان كلمة الإنجيل ورفع راية قلب يسوع في عالمنا الحزين.

أُعايد جميعَ مَن يحملون إسم القديس أنطونيوس البادواني في يوم تذكاره السنويّ هذا، وأسأل لهم دوام الصّحة والعافية وطولَ العمر وأشكرُ شُكراً جزيلاً محطة تيلي لوميار-  نورسات لنقلها وقائع هذا القداس الإلهي الإحتفالي.

صلاتُنا إلى قلب يسوع الأقدس بشفاعة مار مارون ومار أنطونيوس البدواني والقديسة فوستين رسولة الرّحمة الإلهية والقديسة مرغريت ماري ألاكوك، أن يمنحنا النِّعَم الخاصة لنَعيش وصاياه الإلهيّة قولاً وعملاً، فنُساهمُ في بناء حضارة المحبَّة والتلاقي والتسامُح في عائلاتنا ومجتمعاتِنا وأماكن عملنا عسانا نُشارك  في تشييد عالمٍ يجدُ فيه الإنسان شيئاً من إنسانيَّته الضائعة هو المخلوق على صورة الله ومثاله، رافعين بذلك المجد إلى الثالوث الأقدس الآب والإبن والرّوح القدس. آمين.